سياحة بلا سياح .. وضيوف لا مواعيد

يوليو 19, 2025 - 15:51
 0  12
سياحة بلا سياح .. وضيوف لا مواعيد

رغم انهيار عدد النزلاء بنسبة تجاوزت السبعين في المئة، فإن عدد الفنادق العاملة في الضفة الغربية ارتفع في 2024 إلى مئة. في اقتصاد طبيعي، يكون هذا التناقض مدعاة للدهشة. في فلسطين، هو مجرد انعكاس آخر للاقتصاد المعكوس، حيث المنحنى لا يهبط بالضرورة حين يهبط الطلب.

البيانات الرسمية تُظهر تراجعًا حادًا في إشغال الفنادق: من أكثر من نصف مليون نزيل في 2023 إلى أقل من 165 ألفًا في 2024. لكن المفاجأة ليست في التراجع، بل في هوية من تبقّى. أكثر من نصف نزلاء العام جاءوا من داخل الخط الأخضر—فلسطينيو الداخل الذين لم يُعوَّل عليهم يوماً كمحرك للسياحة الفندقية. ليس لأنهم تغيروا، بل لأن السوق تغير. السياح الأجانب اختفوا تمامًا، وشركات السياحة انهارت، وصورة الحرب في غزة حجبت شمس الضفة عن الكاميرات.

الزوار من الناصرة وحيفا وسخنين لم يأتوا كبديل مخطط له، بل كأثر جانبي لفجوة اقتصادية. وجدوا فنادق دون حشود، وأسعاراً بلا منافسة، وقرباً جغرافياً يمنحهم رحلة بأقل كلفة نفسية ومالية. لم تكن الزيارة استجمامًا بقدر ما كانت استعادة لمساحة فلسطينية، ولو مؤقتًا. الرحلة إلى رام الله أو بيت لحم صارت فعل انتماء بقدر ما هي استراحة نهاية أسبوع.

في الخلفية، يواصل بعض المستثمرين استكمال مشاريعهم الفندقية التي بدأت قبل الحرب. التمويل البنكي، رغم قيوده العامة، لم ينقطع عن قطاع "السياحة والفنادق والمطاعم"، بل استقر حول 50 مليون دولار لكل ربع. ليس دعمًا للتوسع، بل لضمان البقاء. لا أحد يُطلق مشاريع فندقية جديدة الآن، لكن لا أحد يريد خسارة ما بدأه قبل اشتعال الجبهة.

أما من حيث القيمة الاقتصادية، فلا يُعوَّل كثيرًا على السياحة الفندقية في الناتج المحلي—أقل من 2% في أفضل التقديرات. لكن هذا القطاع الصغير يحرّك دواليب كثيرة: وظائف، خدمات، تنقّل، وحتى شعور جماعي بأن هناك حياة تدور رغم الركام. فندق لا يستقبل زواراً كُثُر لكنه لا يُغلق، هو إشارة رمزية بأن ما زال في الإمكان انتظار ضيف آخر.

ربما لا يعود السائح الأجنبي قريبًا. وربما لا تتعافى الحجوزات الموسمية هذا الصيف ولا المقبل. لكن ما حدث في 2024 قد يكون نواة لتحول أعمق: من سياحة تعتمد على الخارج، إلى تجربة محلية، متجذرة، ذات طابع فلسطيني خالص. تجربة لا تُقاس بعدد النجوم فوق مدخل الفندق، بل بعدد المرات التي يتجرأ فيها الزائر على عبور الحاجز ليلاً... فقط ليستيقظ صباحًا في مدينته الثانية.

ما هي ردة فعلك؟

اعجبني اعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0