ايرادات غير ضريبية وخدمات غير مرئية

قراءة في بنية الإيرادات الفلسطينية حتى أبريل 2025

يوليو 14, 2025 - 16:50
 0  13
ايرادات غير ضريبية وخدمات غير مرئية

في ظل اقتصاد متعثر، وميزانية مشلولة، ومساعدات خارجية تتناقص عامًا بعد عام، لم يبقَ أمام الحكومة الفلسطينية سوى خيار واحد: جيب المواطن.

حتى نهاية نيسان/أبريل 2025، جمعت وزارة المالية 4.9 مليار شيكل كصافي إيرادات عامة. أكثر من 70% من هذا الرقم جاء من أموال المقاصة – تلك التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، ثم تُقرّر كيف ومتى تُفرج عنها. أما الجزء المحلي، فقد بلغ 1.857 مليار شيكل، بينها 352 مليون شيكل من إيرادات غير ضريبية: رسوم التأمين الصحي، تراخيص المركبات، معاملات إدارية، ورخص مختلفة.

لكن هذه الأرقام تخفي أكثر مما تكشف.

رسوم التأمين الصحي وحدها جلبت أكثر من 76 مليون شيكل في الربع الأول من 2025. رسوم المواصلات جاءت ثانية بـ41 مليون شيكل. أما رخص مزاولة المهنة، فحصدت 32 مليون شيكل – رقم يتجاوز الموازنة التشغيلية لوزارة الاقتصاد ذاتها. المؤشرات لا تدعو إلى الاطمئنان: قطاع واسع من المواطنين يدفع مقابل خدمات غالبًا لا ترتقي إلى الحد الأدنى، في حين أن مصادر الدخل البديلة – كالتجارة الخارجية أو الاستثمار – لا تُظهر أفقًا واعدًا.

الضرائب غير المباشرة، كما في هذه الحالة، غالبًا ما تكون الأقل عدالة. فهي لا تراعي دخل الفرد ولا ظروفه الاقتصادية. الجميع يدفع، لكن ليس الجميع يستفيد. في بلد يعيش نحو ثلث سكانه تحت خط الفقر، يصبح دفع رسوم التأمين أو تجديد رخصة سيارة عبئًا حقيقيًا، لا تفصله كثيرًا عن وجبة مؤجلة.

اللافت أن الحكومة لا تبدو في عجلة من أمرها لتغيير هذا النموذج. لا حديث عن إصلاح ضريبي هيكلي. لا خطط منشورة لتحفيز النشاط الإنتاجي أو توسيع القاعدة الضريبية على نحو عادل. المشهد العام يوحي بأن المالية العامة اختارت طريق "الإيراد السهل" بدلًا من الاستثمار في النمو الحقيقي.

إلى أين تذهب هذه الأموال؟ سؤال يلقى إجابة جزئية في التقارير المالية الرسمية. إذ تُظهر البيانات الشهرية من وزارة المالية أن الرواتب والأجور استنزفت وحدها نحو 2.77 مليار شيكل حتى نيسان 2025، تليها النفقات التحويلية بـ893 مليون شيكل، والاستخدام السلعي والخدمي بـ535 مليونًا. في المقابل، لا توضح التقارير كيف تُوظَّف الإيرادات غير الضريبية، مثل رسوم التأمين أو رخص المهن، أو إن كانت تُعاد إلى القطاع نفسه الذي جُبيت منه. الرقابة المجتمعية تظل محدودة، في غياب نظام موازنة مفتوح يتيح تتبع الإنفاق من الجباية إلى التنفيذ، أو تقييم العدالة التوزيعية جغرافيًا ووظيفيًا.

مع ضيق الخيارات، تُرك المواطن في موقع لا يُحسد عليه: يدفع أكثر مما ينبغي، مقابل خدمات بالكاد تكفي، بينما تُقرَّر السياسات المالية من أعلى، بعيدًا عن أي مساءلة حقيقية.

مفهوم أن السلطة الفلسطينية بحاجة إلى مال. لكن الطريقة التي تجمع بها هذا المال، والطريقة التي تُنفقه بها، تظل محل سؤال لم يُجب عليه بعد.

ما هي ردة فعلك؟

اعجبني اعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0