إضراب صحي.. مرآة لعجز بنيوي

يوليو 7, 2025 - 22:18
يوليو 7, 2025 - 22:28
 0  8
إضراب صحي.. مرآة لعجز بنيوي

ثلاثة أيام في الرعاية الصحية، يومان في المستشفيات، ويوم في الإدارات... هذا ليس جدول عمل جديدًا، بل نتيجة الاحتجاج المعلن من اتحاد نقابات المهن الصحية في فلسطين. هدفه ليس التعطيل، بل التخفيف عن كاهل موظف لم يعد يحتمل أعباءه اليومية. يقول رئيس النقابة أسامة النجار : "من المسؤول عن فاتورة الكهرباء وأقساط الجامعات؟" السؤال مباشر، والإجابة غائبة منذ سنوات.

لكن هذا التحرك النقابي ليس استثناءً، بل تجلٍ لمعادلة اقتصادية لم تعد قابلة للاستمرار. السلطة الفلسطينية تواجه أزمة مالية مزمنة، تتجاوز كونها نتيجة مباشرة لاحتجاز إسرائيل أموال المقاصة. صحيح أن تلك الأموال، البالغة نحو 7.7 مليار شيقل، تُحجب منذ سنوات، وتشكل ضغطًا كبيرًا على السيولة. لكن حين تقارن هذا الرقم بإجمالي الدين العام الذي يتجاوز 45 مليار شيقل، يتضح أن المشكلة أعمق من مجرد حجب مؤقت. الرواتب المتأخرة تمثل حوالي 7.8 مليار شيقل، وهي جزء من عجز أشمل يشمل ديونًا للبنوك، استحقاقات تقاعدية، ومدفوعات متأخرة لمزودي خدمات رئيسيين، بما في ذلك الكهرباء والاتصالات.

النظام المالي الفلسطيني يعاني من اختلال بنيوي: نفقات جارية مرتفعة، اعتماد شبه كامل على أموال المقاصة، تراجع الإيرادات الذاتية، وانخفاض الدعم الخارجي. أكثر من 65% من الموازنة تذهب إلى الإنفاق الجاري، بينما يتقلص الاستثمار التنموي، ويتآكل الاحتياطي النقدي. ومع تأخر الحلول، تلجأ الحكومة إلى تدوير الأزمة، عبر اقتراض داخلي، تأجيل مستحقات، أو تخفيض نسبي للرواتب. لكن هذه الأدوات لم تعد كافية أو مستدامة.

في هذا السياق، يظهر التقليص الجزئي في الدوام كمؤشر خطير: احتجاج لا يعطل الخدمات فحسب، بل يكشف حدود قدرة الدولة على توفير بيئة معيشية لائقة لموظفيها. حين تتحول النقابات الصحية إلى خطوط دفاع اجتماعي، فالمشكلة لم تعد مالية فقط، بل تمس العقد الاجتماعي نفسه.

الحلول ليست مستحيلة، لكنها تتطلب إرادة سياسية: إعادة هيكلة النفقات، تحسين كفاءة الجباية، دعم الإيرادات الذاتية، وإصلاح نظام التقاعد. الكلفة الأولية لهذه الإصلاحات، وفق تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد، تتراوح بين 450 إلى 550 مليون دولار ،  مصادر التمويل متاحة جزئيًا من الخارج، لكن جزءًا كبيرًا يتطلب جهدا داخليًا وإصلاحًا إداريًا جادًا.

السؤال لم يعد ما إذا كانت السلطة ستدفع رواتب هذا الشهر، بل كيف ستبني نموذجًا ماليًا يصمد أمام الحجب والضغط والانكماش. الأزمة لا تُحلّ بقرار مالي أو منح طارئة، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة وموظفيها، وبين الاقتصاد ومصادر تمويله. أو مزيداً من الانتظار في قاعات المستشفيات.

ما هي ردة فعلك؟

اعجبني اعجبني 1
لم يعجبني لم يعجبني 0