اقتصاد يلتهم نفسه ويستهلك أكثر مما يُنتِج
حين يُنتج الاقتصاد أقل مما يستهلك، لا يكون الخطر في الأرقام وحدها، بل في منطق التكرار. فالاستثناء حين يتكرر يصبح نظامًا، والنمط حين يُهمَل يتحوّل إلى مسار يصعب كسره، هذا ما تُظهره بوضوح بيانات الربع الأول من 2025: اقتصاد فلسطيني يستهلك أكثر مما ينتج، ويموّل عجزه عبر موارد خارجية، في ظل بيئة سياسية تعرقل قدرته على التصحيح أو التحول.
تُظهر التقديرات الأولية حسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، أن الناتج المحلي الإجمالي في فلسطين خلال الربع الأول من عام 2025 بلغ حوالي 2.82 مليار دولار، بينما بلغ الإنفاق الاستهلاكي النهائي 3.2 مليار دولار، بفارق يقارب 400 مليون دولار. هذه الفجوة، وإن لم تكن جديدة، أصبحت تعبيرًا عن اختلال هيكلي دائم، لا طارئ.
في تفاصيل التكوين الرأسمالي، يتضح أن الاستثمار في المعدات والتجهيزات "غير المباني" بلغ 440.3 مليون دولار، مقابل 250.4 مليون دولار فقط للمباني. ما يعني أن معظم الاستثمارات الثابتة ذهبت نحو البنية التشغيلية، لا التحتية الإنتاجية. ورغم أهمية هذه النفقات لتحديث المرافق أو دعم الخدمات، إلا أن غياب التركيز على البنية التحتية الإنتاجية يجعل أثرها على النمو محدودًا ومؤقتًا.
في المقابل، بلغ العجز التجاري 1.2 مليار دولار، نتيجة واردات بقيمة 1.87 مليار مقابل صادرات لا تتجاوز 667 مليون. أما الاستهلاك الخاص، فقد سجل 2.6 مليار دولار، أي ما يعادل 92% من الناتج المحلي، وهو ما يعكس نمطًا اقتصادياً يقوم على الإنفاق الداخلي الممول أساسًا من تحويلات العاملين بالخارج وأجور العمال في إسرائيل، لا من إنتاج محلي فعلي.
قطاع غزة، الذي يعيش أزمة اقتصادية خانقة بفعل العدوان والحصار، ساهم بأقل من 3% من الناتج، ما يعكس تراجع دوره من اقتصاد محاصر إلى اقتصاد شبه مجمّد.
الظروف السياسية تظل عاملاً حاسمًا في تفسير هذا المشهد: الاحتلال يفرض قيودًا مباشرة على الوصول إلى الموارد، ويعطّل النشاط الزراعي والصناعي، ويجعل السوق الإسرائيلية شبه حصرية في العمل والتجارة. ويزيد الانقسام السياسي الداخلي من تعقيد الوضع، بإضعاف السياسات العامة، وغياب الرؤية الاقتصادية الموحدة.
تزامن ذلك مع تراجع المساعدات الخارجية وتجميد أموال المقاصة، ما دفع الاقتصاد الفلسطيني نحو مزيد من الانكماش. وفي ظل هذا المسار، يبدو واضحًا أن مجرد العودة إلى "الاستقرار" لن تكون كافية. هناك حاجة لإعادة هيكلة جذرية تتضمن تقليص الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وربط الإنفاق العام بمشاريع إنتاجية تخلق قيمة حقيقية وفرص عمل.
لكن تنفيذ مثل هذه الاستراتيجية يتطلب شيئًا أساسيًا لا تملكه فلسطين الآن: هامش قرار اقتصادي مستقل.
دون هذا القرار، سيبقى الاقتصاد الفلسطيني عالقًا في حلقة مفرغة: يستهلك أكثر مما يُنتج، ويُموّل فجواته من مصادر لا يتحكم بها، ويواجه تحديات لا تملك أدوات كافية لمواجهتها.
يبقى السؤال المفتوح أمام صانع القرار:
هل يمكن تحويل الاقتصاد من أداة إدارة للأزمات إلى وسيلة حقيقية للصمود والسيادة؟
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0