300 مليون دولار .. هل تسعف الموازنة ؟
منذ أكثر من 15 عامًا، ظلّ البنك الدولي يضخّ ملايين الدولارات في خزينة السلطة الفلسطينية، في محاولة لانتشال اقتصاد يعاني الشلل، وإنعاش موازنة بالكاد تُبقي السلطة واقفة على قدميها. وعلى مرّ هذه السنوات، تحوّل هذا الدعم إلى شريان حياة لا غنى عنه... لكنه أيضًا كشف عمّق مأزقًا أوسع: اقتصاد بلا إنتاج حقيقي، وموازنة تُدار بالأمل أكثر من الإيرادات.
في عام 2025، قرر البنك الدولي تمديد دعمه السنوي للسلطة حتى سقف 300 مليون دولار، رغم تردده الأولي. وجاء القرار في ظروف صعبة: عجز مالي بلغ نحو 1.3 مليار دولار، وانكماش اقتصادي غير مسبوق تجاوز 25%، وبطالة تقترب من 50%. ومع ذلك، وافق البنك بعد مفاوضات مكثفة، في ما وصفه بـ"محاولة للموازنة بين الاستجابة الإنسانية ودفع الإصلاح قدمًا".
لكن يبقى السؤال: ماذا يعني هذا المال؟ وأين يذهب؟ وهل يحدث فرقًا فعليًا؟
إلى أين تذهب الأموال؟
تشير البيانات إلى أن أكثر من 92% من الدعم المقدم عبر صندوق الإصلاح والتنمية (PRDP) بين عامي 2008 و2021، ذهب مباشرة إلى الموازنة العامة، أي إلى الرواتب والنفقات التشغيلية الأساسية. في المقابل، لم يُخصص سوى 8% فقط للمشاريع التنموية أو الإصلاحات المؤسسية.
ولا يدير البنك الدولي الأموال بنفسه، بل يحوّلها إلى وزارة المالية الفلسطينية التي تنفقها ضمن ما يُعرف بـ"برنامج الإنفاق الوطني"، وتراقب الجهات المانحة مؤشرات الأداء المالي قبل صرف كل دفعة.
اللافت أن توزيع الأموال بين الضفة الغربية وقطاع غزة يُظهر تفاوتًا واضحًا: فالمشاريع التنموية الممولة من البنك تذهب بنسبة 56% إلى غزة، نظرًا لحاجتها الملحّة للبنية التحتية والخدمات، بينما تذهب 44% للضفة. أما دعم الموازنة، وخصوصًا بند الرواتب، فيُوجَّه معظمه للضفة، حيث يُصرف نحو 75% من مجمل الرواتب، في ظل توقف التوظيف والدفع في غزة منذ أكثر من عشر سنوات بسبب الانقسام السياسي.
دعم لا يكفي... لكنه ضروري
في موازنة سنوية تتجاوز 5 مليارات دولار، تبدو مساهمة البنك الدولي – حتى في أقصى حالاتها – وكأنها مجرد رقعة صغيرة على ثوب مثقوب. 300 مليون دولار تُغطي بالكاد 6% من الموازنة العامة، و23% من العجز السنوي، وأقل من خمس فاتورة الرواتب.
ومع ذلك، تبقى هذه الأموال حاسمة، ليس لحجمها، بل لما تمثّله: فهي تفتح الطريق أمام دعم إضافي من مانحين آخرين، وتمنح إشارات "ثقة" بأن السلطة ما زالت قابلة للحياة. في عالم التمويل السياسي، الرمز لا يقل أهمية عن الرقم.
بنية مالية هشة
تُدير الحكومة الفلسطينية موازنتها كما يمشي أحدهم على حبل مشدود: اعتماد شبه كامل على أموال المقاصة المحوّلة من إسرائيل، ومساعدات مشروطة من المانحين، وعجز دائم يُدار بالديون المحلية وتأجيل الرواتب.
فاتورة الرواتب وحدها تتجاوز 1.7 مليار دولار سنويًا، وتستهلك نحو 44% من مجمل الإنفاق. أما البدلات المختلفة، فتشكّل أكثر من ثلث تلك الفاتورة. وفي غياب إصلاحات جدية – كخفض التوظيف الزائد أو توسيع القاعدة الضريبية – تبقى السلطة في حلقة مفرغة: اقتراض لتغطية النفقات، وانتظار للمانحين لتغطية العجز.
ما المطلوب تغييره؟
الاقتصاد الفلسطيني لا يحتاج فقط إلى استمرار الدعم، بل إلى تغيّر في نوعيته. أي أن تنتقل المساعدات من كونها دعمًا استهلاكيًا إلى محرّك إنتاجي حقيقي: تمويل مشاريع صغيرة، تحفيز الزراعة، دعم التكنولوجيا، وخلق فرص عمل حقيقية.
هذا يتطلب تحوّلاً في فلسفة الصرف من جانب الحكومة، وتغييرًا في منهجية التمويل من جانب المانحين، بما يشمل شروطًا تشجع الإنتاج والاستقلال.
والأهم من ذلك، لا بد من أفق سياسي يتيح استقرارًا اقتصاديًا حقيقيًا. فمهما بلغ حجم المساعدات، لا يمكن بناء اقتصاد مستقل في غياب السيادة على الأرض، والمعابر، والموارد، والعملات، وحتى الجباية.
الـ300 مليون دولار التي يقدمها البنك الدولي ليست أصل المشكلة، لكنها تكشف عن جوهرها: نموذج مالي هش، واقتصاد لا يزال يعيش على أجهزة الإنعاش. المطلوب اليوم ليس المزيد من الدعم، بل معادلة جديدة للتمويل والمحاسبة والإنتاج. فحتى إشعار آخر، ستبقى كلمة "مساعدة" مجرد تسمية ناعمة لعجز بنيوي عميق.
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0