التمويل التجاري في فلسطين: توسّع تحت السيطرة
في اقتصاد يراوح مكانه بين الحصار والتقلّب السياسي، تبرز التجارة كواحدة من آخر جبهات الحركة الممكنة. لكنها ليست حركة حرّة تمامًا، بل مشروطة بقدرة القطاع المصرفي على ضخّ السيولة، وبمدى مرونة السوق المحلية. آخر بيانات سلطة النقد الفلسطينية تكشف عن مفارقة لافتة: القروض الموجهة لقطاع التجارة بلغت نحو 1.94 مليار دولار حتى نهاية الربع الأول من عام 2025، وهو ما يشكّل أكثر من 16% من إجمالي التسهيلات المصرفية القائمة.
لكن أين يذهب هذا المال؟ أكثر من 90% منه يُضَخ في التجارة الداخلية—حوالي 1.75 مليار دولار—مقابل 192 مليونًا فقط خُصصت للتجارة الخارجية. هذا الخلل لا يُفاجئ أحدًا في بيئة اقتصادية تتحكّم فيها القيود الإسرائيلية في المنافذ، وتخنق المحاولات الفلسطينية لمدّ الأفق نحو التصدير والاستيراد المباشر.
في الضفة الغربية وقطاع غزة، أكثر من 75 ألف منشأة تجارية توفّر ما يزيد على 200 ألف فرصة عمل، بحسب الإحصاء الرسمي. ورغم أن هذا القطاع يشكّل شريانًا حيويًا للاقتصاد، إلا أن تمويله الواسع يثير تساؤلات: هل تُستخدم هذه القروض لتوسيع الإنتاج وتحفيز النمو، أم أنها مجرد وسيلة لإبقاء السوق على قيد الحياة وسط غياب رؤية اقتصادية متكاملة؟
أما على جبهة التجارة الخارجية، فقد بلغ إجمالي المبادلات مع إسرائيل والعالم نحو 2.2 مليار دولار خلال نفس الفترة. ومع ذلك، فإن الفجوة التمويلية هنا تدلّ على تردد مصرفي مبرّر: فالمخاطر السياسية، وغياب السيطرة الفلسطينية على الحدود، تجعل من تمويل الصادرات والمستوردات مغامرة أكثر منها فرصة.
القطاع المصرفي نفسه لا يبدو في موقع ضعيف. أرباح البنوك الفلسطينية المدرجة قفزت بأكثر من 40% في الربع الأول من 2025، مستفيدة من توسع الائتمان، وانضباط نسبي في مستويات المخاطر. ومع ذلك، فإن هذا الأداء الجيد للبنوك لا يعكس بالضرورة ديناميكية في الاقتصاد الحقيقي، بل ربما يُخفي اعتمادًا مفرطًا على قطاع تجاري استهلاكي في معظمه.
في النهاية، الائتمان التجاري في فلسطين يبدو كأداة توازن أكثر من كونه محركًا للنمو. فطالما بقيت التجارة رهينة الداخل، وتحت رحمة شروط الاحتلال، فإن كل توسّع في التمويل يظل محكومًا بسقف سياسي—وليس بأفق اقتصادي.
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0