اقتصاد في غرفة الإنعاش… والغرف منقسمة !

يوليو 21, 2025 - 18:28
 0  0
اقتصاد في غرفة الإنعاش… والغرف منقسمة !

في شوارع الخليل، يتجمهر التجار والصنّاع أمام مقر الغرفة التجارية، مطالبين بإلغاء قيود البنوك ورفض فصل قطاعهم عن الغرف المشتركة. لكن خلف هذا الاحتجاج العلني، تختبئ قصة أعمق: قطاع خاص منهك، واقتصاد محاصر، ونظام مالي متجمّد. فلسطين، اليوم، لا تُدار بالأرقام فقط، بل بالاختناقات.

 من الانكماش إلى الشلل النقدي

شهد الاقتصاد الفلسطيني في 2024 واحدة من أسوأ سنواته: انكماش بنسبة 28%، وتراجع مؤشر الإنتاج الصناعي إلى  80.01  نقطة بنهاية العام، فيما تدهور الناتج المحلي لغزة بنسبة 82% وللضفة بنحو 19%. البطالة بلغت 51% في غزة و35% في الضفة، فيما تآكلت القدرة الشرائية إلى مستويات حرجة.

لكن أكثر ما قاد إلى الاحتجاجات الأخيرة هو تفاقم أزمة الإيداع النقدي. فمع توقف البنوك الإسرائيلية عن استقبال فائض الشيكل من نظيرتها الفلسطينية، فرضت الأخيرة قيودًا صارمة على عمليات الإيداع والتحويل، ما جعل النقد عبئًا على التاجر لا وسيلة عمل. في بعض البنوك، لم يعد بإمكان الشركات الكبرى إيداع أكثر من 100 ألف شيكل شهريًا، مما شل حركة الأموال وخلق أزمة ثقة خانقة في الجهاز المصرفي.

 قطاع خاص تحت الحصار

الصناعة الفلسطينية، التي تمثل قرابة 14% من الناتج المحلي، لم تسلم من الأزمة. عشرات المصانع تعمل بنصف طاقتها أو أقل، في ظل تراجع الطلب، نقص المواد الخام، وصعوبة الوصول إلى التمويل. ومع هذه التحديات البنيوية، ظهرت على السطح محاولة حكومية لفصل الصناعيين عن الغرف التجارية الصناعية، في خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها "تفكيك للتمثيل الموحد" للقطاع الخاص.

في الواقع، هذا الفصل المقترح قد يضعف قدرة الصناعيين على الدفاع عن مصالحهم، ويُدخل القطاع في تنازع تنظيمي في وقت يتطلب أكبر قدر من التكتل والتماسك. الغرف كانت دائمًا صوتًا موحدًا للتاجر والمُصنّع، وتفكيكها يعني إضعاف هذا الصوت في مواجهة التشريعات، البيروقراطية، والاحتلال.

 تشريعات خانقة وضرائب بلا حوار

بدل أن تستجيب الحكومة الفلسطينية لمطالب القطاع الخاص بتخفيف القيود وتحفيز الإنتاج، طرحت في منتصف 2025 مسودة لتعديل قانون ضريبة القيمة المضافة، تتضمن آليات تدقيق لاحق أكثر صرامة، وإجراءات محاسبية قد تُثقل كاهل التجار والصنّاع. كل ذلك دون حوار حقيقي، أو توافق على البنود الخلافية.

التجار يرون في ذلك انحرافًا عن الأولويات، إذ كان الأجدر بالحكومة معالجة مشاكل الإيداع والسيولة أولًا، ثم التفكير في توسيع القاعدة الضريبية أو تحديث الإجراءات الرقابية. المشكلة ليست فقط في القوانين، بل في التوقيت والخطاب.

 احتجاج أم إنذار؟

الاجتماع الأخير لغرفة تجارة وصناعة الخليل، وما تلاه من احتجاجات متصاعدة، ليس مجرد موقف نقابي. إنه إنذار اقتصادي من عمق السوق الحقيقي. فالتاجر لم يعد يستطيع الإيداع، والصانع لم يعد ينتج كما كان، والبنك لم يعد وسيطًا موثوقًا في منظومة الاقتصاد.

فلسطين تقف اليوم أمام مفترق: إما الإنصات لهذا الإنذار وتدشين حوار وطني اقتصادي جاد، أو المضي في المسار نفسه نحو اقتصاد استهلاكي هش، قطاع خاص مفكك، وسوق يعمل خارج النظام الرسمي.

التحدي ليس في النصوص القانونية، بل في الإرادة السياسية لاحتواء الأزمة. وما لم تتم استعادة الثقة بين الحكومة والقطاع الخاص، فإن احتجاج اليوم قد يتحوّل إلى انسحاب جماعي غدًا، ليس من الغرف، بل من السوق.

ما هي ردة فعلك؟

اعجبني اعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0