قروض الاستهلاك .. إنفاق للعيش أم اقتراض للبقاء؟
في اقتصاد تعصف به الأزمات السياسية والمالية، ليس غريبًا أن يتوجه الفلسطينيون إلى البنوك بحثًا عن هوامش بقاء، إلا أن ما قد يبدو تمويلًا بريئًا لغسالة أو طقم كنب، يخفي وراءه شبكة معقدة من الضغوط الاقتصادية وسلوكيات الاستهلاك، بل وربما مؤشرات على تحوّلات صامتة في علاقة الفلسطيني مع المال والعيش.
قروض تكبر بصمت
مع نهاية الربع الأول من عام 2025، بلغت القروض الاستهلاكية في فلسطين 1.32 مليار دولار، بزيادة 42.1 مليون دولار عن العام السابق، أي نمو بنسبة 3.2%
هذه القروض، كما تُعرّفها سلطة النقد، تشمل تمويل شراء السلع المنزلية من أثاث وأجهزة كهربائية، وتُستثنى منها السيارات والخدمات كالتعليم والصحة.
رغم أنها لا تمثّل سوى 11% من إجمالي التسهيلات الائتمانية البالغة نحو 11.94 مليار دولار، إلا أن حجمها يُثير تساؤلًا واضحًا: هل نحن أمام زيادة صحية في الاستهلاك؟ أم مجرد محاولة لشراء الوقت بقروض مؤجلة الدفع في ظل دخل يتآكل وتضخم لا يهدأ؟
التاريخ يعيد نفسه... بحذر
البيانات التاريخية تكشف أن نسبة القروض الاستهلاكية إلى التسهيلات الكلية لم تتغير كثيرًا منذ 2019، حيث كانت تشكل آنذاك نحو 11.2% من إجمالي التسهيلات.
ما يوحي بأن هذا النوع من التمويل لم يشهد تطورًا بنيويًا، بل بقي في موقعه: ثابت، وظيفي، لكنه محدود الأثر في التنمية طويلة المدى.
بنوك تُقرض… ولكن لأي غاية؟
في ظل وجود 13 بنكًا (7 محلية و6 وافدة)، تبقى البنوك المحلية هي الأكثر نشاطًا في الإقراض الاستهلاكي، وفقًا لتقارير سابقة.
ومع غياب البيانات التفصيلية حول عدد القروض أو معدلات التعثر، يصعب رسم صورة دقيقة عن من يقترض، ولماذا، وهل يسدد أصلًا.
ما نعرفه هو أن غالبية هذه القروض تُمنح وفق جداول أقساط مؤجلة، ما يجعلها "ديون مؤجلة" أكثر من كونها تمويلًا مباشرًا.
وهي تزداد في وقت يتراجع فيه الإنفاق العام وتُشل فيه حركة الإنتاج بفعل الحصار والانكماش المالي.
الاستهلاك لا يعني الانتعاش
قد يبدو نمو القروض مؤشرًا على تعافٍ اقتصادي، لكن في الحالة الفلسطينية، يكون الاستهلاك أحيانًا آلية دفاع ضد الواقع، لا دليلًا على تحسنه.
فتمويل غسالة بالقرض لا يعني أن العائلة بخير، بل قد يعني أنها عاجزة عن شراء بديلها نقدًا.
وإذا ما استمر هذا النوع من التمويل دون ضبط نوعي، فإننا نغامر بتكوين شريحة من "المديونين المزمنين" الذين يستهلكون بالدَّين دون أن يقابل ذلك نمو حقيقي في الأجور أو فرص العمل.
في فلسطين، حيث الاقتصاد هش واليقين نادر، لا يمكن قراءة القروض الاستهلاكية كرقم مالي فقط.
إنها مرآة لما هو أعمق: نمط حياة يحاول البقاء بالحد الأدنى، وثقة محدودة في الغد، ونظام مالي لم يُصمم لمجابهة هذا النوع من الضغط.
فما نراه اليوم من "قروض صغيرة" قد يتحوّل غدًا إلى أزمة كبيرة إن لم يُرافقه ضبط معلوماتي، ورؤية اجتماعية، وأدوات حماية للمستهلك.
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0