هل تحل الضرائب أزمة الرواتب؟

يوليو 13, 2025 - 02:31
يوليو 13, 2025 - 02:39
 0  2
هل تحل الضرائب أزمة الرواتب؟

في أروقة رام الله، لم تعد التحذيرات تدور حول احتمالات، بل حول ما بات واقعًا ضاغطًا. حين قال رئيس الوزراء محمد مصطفى خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء إن "الوضع لم يعد يُحتمل"، لم يكن يصف أزمة طارئة، بل لحظة مفصلية في العلاقة بين الدولة ومصادر تمويلها. ومع تأخر صرف رواتب الموظفين العموميين لأشهر، تلوح الحكومة بإجراءات "غير اعتيادية" قد تبدأ من حيث لا يتوقع المواطن: زيادة الجباية.

يقول أحد المعلمين ، بعد أربعة أشهر من عدم استلام راتبه: "أفكر في بيع سيارتي. المشكلة أنني لست الوحيد معظم زملائي يفكرون بذلك ". هذه الشهادة الفردية تلخّص أزمة جماعية، وتعيد طرح السؤال: من أين ستموّل الدولة رواتب موظفيها؟

إيرادات محدودة، والتزامات تتزايد

تعتمد السلطة الفلسطينية على ثلاث قنوات رئيسية للتمويل: أموال المقاصة، المساعدات الخارجية، والإيرادات المحلية. ومع استمرار احتجاز المقاصة وتراجع الدعم الدولي، تتجه الأنظار نحو المصدر الثالث: الجباية الداخلية، كأداة ممكنة لسد فجوة التمويل المتسعة. لكن، هل تستطيع الضرائب وحدها إنقاذ الرواتب؟

في الربع الأول من 2024، تراجعت الإيرادات الضريبية المحلية بنسبة 34% مقارنة بالعام السابق، وفق بيانات وزارة المالية. في المقابل، لا تزال المقاصة تمثل أكثر من 70% من الإيرادات الضريبية، ما يعكس هشاشة قاعدة التمويل الذاتية في حال غياب هذه الأموال.

الصندوق السيادي: أرقام كبيرة وأثر متفاوت

وسط هذه المعادلة المعقدة، يبرز صندوق الاستثمار الفلسطيني كأحد أبرز الأصول الوطنية. وفقًا لتقريره السنوي الأخير، يدير الصندوق أصولًا تبلغ 900 مليون دولار، وبلغ مجموع ما حُوّل إلى خزينة الدولة منذ تأسيسه 1.1 مليار دولار. في 2024، سجل الصندوق خسائر دفترية بـ14.7 مليون دولار، رغم تأكيدات أنه لا يزال يحتفظ بقدرة عالية على التعافي والاستثمار.

ورغم أهمية هذه الأصول، إلا أن الصندوق ليس أداة مخصصة لتغطية النفقات الجارية مثل الرواتب. وغياب المرونة في توجيه هذه الموارد يُعيد تركيز النقاش إلى الخيارات المتاحة أمام الحكومة على المدى القصير، وأولها: الجباية.

الجباية والعدالة: هل تكون الضريبة حلاً أم عبئاً؟

في ضوء فجوة ضريبية تُقدّر بنحو 13% من الناتج المحلي ، منها 9% فجوة امتثال و4% فجوة سياسية ، يبدو أن النظام الجبائي الفلسطيني يمتلك هامشًا قابلًا للتطوير. غير أن هذا لا يعني أن الطريق ممهد. فالضرائب غير المباشرة كالـVAT والجمارك، التي تُستخدم على نطاق واسع، ساهمت برفع معدل الفقر بنسبة +8.4%، وفق تقرير صندوق النقد الدولي. وفي المقابل، ساهمت نفس السياسات بتقليص فجوة عدم المساواة بـ6.5 نقطة جيني.

الرسالة واضحة: الضرائب أداة مزدوجة ، يمكن أن تموّل الدولة، أو تعمّق الفجوة الاجتماعية، تبعًا لطريقة تصميمها وتوزيع عبئها. ويبقى السؤال: هل تُحمَّل الطبقة الوسطى والفقيرة المزيد من الأعباء، بينما تحافظ بعض النخب الاقتصادية على امتيازاتها؟

ما بعد الجباية: الحاجة إلى رؤية مالية متكاملة

في السياق الفلسطيني، لا تكفي زيادة الجباية وحدها. فإصلاح آليات التحصيل، تعزيز الامتثال، وتوزيع العبء بعدالة — كلها شروط لا غنى عنها لضمان استدامة الموارد دون تقويض ثقة المواطن. كما أن مراجعة أداء القطاعات السيادية، وتفعيل مساهمة الصناديق العامة بقدر أكبر من الشفافية، يشكّلان ركيزة لأي حل مالي طويل الأمد.

قد تساعد الضرائب في تقليص فجوة التمويل، لكنها لن تحل أزمة الرواتب ما لم تُرفَق بإجابات أوضح عن سؤال محوري:
من يدفع؟ ولمن تذهب الموارد؟

 

ما هي ردة فعلك؟

اعجبني اعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0