المال المحجوز.. والغضب المتراكم
في الوقت الذي تتكاثر فيه أرقام العجز، تتآكل هوامش المناورة أمام السلطة الفلسطينية.
إسرائيل لم تُحوّل حتى الآن ما مجموعه 890 مليون شيكل من أموال المقاصة المستحقة عن شهري أيار وحزيران 2024، بعد اقتطاعات بلغت قرابة 914 مليون شيكل. في المقابل، تستمر الحكومة الفلسطينية في صرف الرواتب، بما فيها رواتب موظفي غزة، ومخصصات الأسرى وعائلات الشهداء.
معادلة تبدو مستحيلة، لكنها مدعومة بخيوط قروض محلية واحتياطيات منهَكة.
الاعتماد على المقاصة بات خانقًا: 64% من الإيرادات الفلسطينية مصدرها هذا المسار، الذي تتحكم فيه إسرائيل وتعيد تشكيله وفق حساباتها السياسية، رئيس الوزراء محمد مصطفى، بخطابٍ غير معتاد الحدة، قال إن "هذا الوضع لا يمكن احتماله". لكن العبارة بدت مفتوحة على أكثر من اتجاه: خارجيًا، نحو مزيد من التصعيد الدبلوماسي وربما القانوني، وداخليًا، نحو قرارات موجعة قد تعيد رسم العلاقة بين السلطة ومكونات شعبها.
في الداخل، يُطرح بجدية خيار تقليص النفقات في غزة، أو حتى ربط التمويل بمعايير جديدة. الحكومة لم تُصرّح بذلك رسميًا، لكنها قد تجد نفسها مدفوعة نحوه، وسط ضغوط متصاعدة من المؤسسات الأمنية والمالية في الضفة. في الوقت ذاته، قد تُستخدم الورقة الاجتماعية لإعادة تعبئة الجمهور ضد "العدوان المالي الإسرائيلي"، كما وصفه مصطفى، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات الرواتب.
أما مخصصات الأسرى، فهي ساحة اختبار أخلاقي وسياسي مركّب. فبين ضغط دولي يعتبرها تمويلًا للإرهاب، وواقع فلسطيني يعتبرها التزامًا وطنيًا، حاولت القيادة الخروج من المأزق عبر نقل إدارة الملف تدريجيًا: من وزارة الأسرى التابعة للسلطة، إلى هيئة شؤون الأسرى في منظمة التحرير، ثم مؤخرًا إلى مؤسسة "تمكين" الاجتماعية.
هذه الأخيرة بدأت باعتماد معايير جديدة للصرف، ما أدى إلى قطع رواتب أكثر من 1,600 أسير في ربيع 2025، تحت ذرائع قانونية وإدارية.
كل ذلك يجري وسط مشهد مالي هش: العجز الفعلي في موازنة 2025 يُقدّر بنحو 4.6 مليار شيكل، في ظل رواتب تشكّل 42% من النفقات، ودَين عام يناهز 15.3 مليار شيكل. استمرار التمويل بالاقتراض ليس أكثر من مسكّن آني. وفي حال بقيت أموال المقاصة محجوزة، فإن ما يبدو كأزمة نقدية قد يتحوّل إلى أزمة حكم.
مصطفى يُلوّح بـ"إجراءات غير اعتيادية"، لكن إن لم تُترجم هذه العبارة إلى سياسة واضحة، فقد يجد نفسه عاجزًا عن احتواء غضب الشارع، أو مقاومة الشروط الدولية، أو حتى المحافظة على التوازن داخل أروقة حكومته.
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0