أزمة مالية بلا موعد سداد

يونيو 30, 2025 - 15:56
يونيو 30, 2025 - 15:58
 0  3
أزمة مالية بلا موعد سداد

في كثير من الدول، تبدأ الأزمات الكبرى على هيئة أرقام غير مدفوعة، فواتير مؤجلة، وخطط تنتظر التمويل. في الحالة الفلسطينية، يبدو أن دفتر الدولة قد امتلأ بالديون، ولم يبقَ فيه سوى الهوامش.

تقرير البنك الدولي الصادر في يونيو 2025 لا يبالغ ولا يهوّل. بل يقدم وصفًا محسوبًا لأزمة تتصاعد بصمت: اقتصاد منكمش، دين عام متضخم، ومؤسسات مالية تُدار بالحد الأدنى من الثقة. في الخلفية، حرب مستمرة، ومساعدات دولية تتضاءل، ونظام سياسي يراوح مكانه.

توازن على الحافة

الدين العام الفلسطيني تجاوز 86% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، ويُتوقع أن يلامس 96% بحلول 2026. أكثر من نصف هذا الدين ليس سوى متأخرات مؤجلة، تُسجل دون سداد. بينها ثلاثة مليارات دولار لصندوق التقاعد، الذي وُجد لضمان استقرار ما بعد العمل، لكنه تحول إلى ممول غير معلن للمالية العامة.

تستمر الحكومة في دفع المعاشات، رغم توقف التحويلات للصندوق. ما يُصرف اليوم ليس نتيجة استثمار سابق، بل سحب مستمر من رصيد لم يعد موجودًا فعليًا. الإشكال ليس في الإنفاق، بل في الصمت المحيط به.

انكماش بلا قاع

الاقتصاد الفلسطيني سجّل في 2024 انكماشًا هو الأعمق منذ تأسيس السلطة: تراجع بنسبة 27% في الإجمالي، و83% في غزة وحدها، التي دخلت مرحلة ما بعد الاقتصاد. في الضفة، تقلص الناتج بنسبة 17%، تحت وطأة القيود وتراجع الحركة.

أما الخسائر الرأسمالية في غزة، فقُدرت بنحو 30 مليار دولار، أي ما يعادل ضعف الناتج المحلي لكامل الأراضي الفلسطينية قبل الحرب. البطالة، وهي المؤشر الأكثر بلاغة، تجاوزت 80% في غزة، وثلث القوة العاملة في الضفة.

ما قبل الحرب… وما بعدها

التقرير لا يعزو كل شيء للحرب. بل يشير إلى سلسلة أعمق من الاختلالات: الحصار الطويل، السيطرة الإسرائيلية على الموارد والمعابر، الانقسام السياسي الداخلي، واقتطاعات المقاصة، كلها عناصر تآكلت معها قدرة النظام الاقتصادي على التحمّل.

الدعم الدولي لم يكن بمنأى عن هذا الانكماش التدريجي. فمن 27% من الناتج المحلي في 2008، تراجعت المساعدات إلى أقل من 2% في 2023، ثم ارتفعت مؤقتًا إلى 6% في 2024، كاستجابة طارئة لا أكثر.

إصلاح… أو إدارة العجز

البنك الدولي لا يعرض حلولًا جذريّة، بل توصيات مألوفة: شفافية أكبر في إدارة الدين، ترشيد للإنفاق الجاري، توسيع القاعدة الضريبية دون خنق الاقتصاد، وإعادة هيكلة الديون، لا سيما تلك المتعلقة بصندوق التقاعد.

لكن الرسالة غير المعلنة في التقرير أوضح: الثقة في النظام المالي لا تتراجع دفعة واحدة، بل تنزلق ببطء، حتى يجد المواطن نفسه يتلقى نصف راتب، ويُسدد ضرائب كاملة، ويقرأ تقارير عن أموال لا يعرف أين ذهبت.

ما هي ردة فعلك؟

اعجبني اعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0