٢٠٢ مليون يورو.. مسكن لأزمة مزمنة
وسط مشهد اقتصادي كئيب وشلل سياسي عميق، قد تبدو حزمة المساعدات الأوروبية الأخيرة لفلسطين – بقيمة ٢٠٢ مليون يورو – بمثابة بريق أمل خافت. لكنها في الواقع أقرب إلى قطرة ماء في صحراء متسعة. فالمساهمة، التي وُجّه معظمها لدعم رواتب المعلمين والخدمات الصحية والإدارية، لن تفعل الكثير أمام العجز المتفاقم في موازنة السلطة الفلسطينية، الناتج عن خلل داخلي وضغوط خارجية تتصدرها سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية.
الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة يصف هذه المساعدة بأنها ليست "اختراقًا"، بل جزء من تعهد أوروبي أكبر بقيمة ٣٠٠ مليون يورو لعام ٢٠٢٥، يتسلل ببطء بواقع ٢٠ مليون شهريًا— بالكاد تكفي لدفع ثلث رواتب الموظفين العموميين. وزيرة الخارجية الفلسطينية، فارسين أغابكيان شاهين، لم تُخفِ الواقع القاتم: "خزينتنا تعاني بشدة بسبب قرار وزير المالية الإسرائيلي غير القانوني بحجز أموال المقاصة".
هذه الأموال، وفقًا لبروتوكول باريس لعام ١٩٩٤، تمثل شريان حياة للاقتصاد الفلسطيني. لكن الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحجبها بحجة دعم السلطة لأسر الشهداء والأسرى. مؤخرًا، ذهب أبعد من ذلك، برفضه تجديد الإعفاء المصرفي الذي يتيح التعاملات المالية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية— خطوة تُهدد بشل النظام المالي الفلسطيني.
بعيدًا عن الأرقام، هذه ليست مجرد نزاع مالي. إنها أداة عقاب جماعي، تُمارس على سلطة متداعية وشعب ينهكه الحصار والتهميش. في ظل تصاعد الهجمة على الضفة الغربية، تبدو هذه السياسة كمن يصب الزيت على النار.
المشهد لا يقتصر على أزمة رواتب. الاقتصاد الفلسطيني يترنح تحت وطأة التضخم واختلال السيولة وتشوهات سعر الصرف. ومع تحول الاقتصاد الإسرائيلي إلى المدفوعات الرقمية، أصبحت البنوك الفلسطينية تغرق في بحر من الشيقل الورقي، في حين يظل الفلسطينيون رهائن الاقتصاد النقدي. المفارقة؟ أسعار الوقود والسجائر الأرخص في الضفة تُشجع عمليات تهريب نقدي تعمّق الأزمة.
المساعدات الأوروبية، رغم أهميتها، لا تداوي الجرح العميق. فهي لا تعالج الانقسام السياسي ولا تفرض إصلاحات حقيقية. التعيين الرمزي لحسين الشيخ نائبًا للرئيس محمود عباس يظل خطوة رمزية في غياب انتخابات أو تجديد فعلي لمؤسسات الحكم. ومع تأجيل مؤتمر دولي سعودي-فرنسي كان مأمولًا منه إطلاق مساعدات إضافية، تبقى السلطة مُثقلة، سياسيًا واقتصاديًا، بلا أفق واضح.
في هذا السياق، تبدو هجمات المستوطنين المتصاعدة—والمحمية ضمنيًا من جيش الاحتلال—كوجه آخر للحصار: ميداني، عنيف، وهادف لفرض التهجير القسري. دعوات الأمم المتحدة للمحاسبة تتبخر أمام واقع الإفلات من العقاب.
السلطة الفلسطينية ليست فقط متعثرة؛ إنها محاصرة. من دون مساءلة دولية جادة لسياسات الاحتلال، ستبقى كل مساعدة قصيرة الأجل بمثابة رتق في ثوب ممزق.
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0