هل دخلت الحكومة مرحلة إدارة الانكماش؟
لم يُعقد الاجتماع الطارئ لمجلس الوزراء الفلسطيني لإقرار حزمة إنقاذ أو لتدشين إصلاح مالي شامل. بل ناقش خيارًا دفاعيًا: تقليص حاد في دوام الموظفين وربما تعليق مؤقت لبعض الدوائر الحكومية. القرار لم يُتخذ بعد، لكنه قيد الدراسة الجدية. والرسالة واضحة: الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة تجاوزت حدود العجز، لتصل إلى اختبار قدرتها على البقاء كمؤسسة تشغيلية.
السبب مباشر: أكثر من 9.1 مليار شيكل من أموال المقاصة تحتجزها إسرائيل. وتشكل هذه الأموال أكثر من ثلثي الإيرادات العامة. مع غياب السيولة، تتراكم الرواتب المؤجلة، وتنهار خدمات الصحة والتعليم تدريجيًا. وفي ظل توقف شبه تام للمساعدات الدولية الجديدة، بات خفض التشغيل أحد الأدوات القليلة المتاحة أمام الحكومة لتقليص الضغط الفوري على المالية العامة.
لكن تقليص الدوام أو تعليق العمل ليس حلًا، بل إدارة مؤقتة لانكشاف مالي عميق. المواطنون سيواجهون مزيدًا من العوائق في الوصول إلى الخدمات، القطاع الخاص سيتأثر بتراجع الطلب، والثقة في النظام الإداري ستتآكل. حتى إسرائيل، الطرف الذي يحتجز الأموال، لن يكون بمنأى عن التداعيات: تفكك الإدارة الفلسطينية قد يعيد أعباء الخدمات والأمن إلى سلطات الاحتلال، ويضاعف التكاليف على المدى المتوسط. المجتمع الدولي بدوره، خاصة الدول الموقعة على اتفاقات أوسلو وباريس، بات يواجه أسئلة سياسية وقانونية حول صمته.
رغم ضيق الخيارات، تملك السلطة هامشًا محدودًا للمناورة. يمكنها رقمنة بعض الخدمات لتقليص الإنفاق، وإعادة ترتيب الأولويات لصالح القطاعات الحيوية. كما يمكنها توسيع الضغط الدبلوماسي لاستعادة أموالها المحتجزة، مع حشد دعم تقني لمشروعات طوارئ صغيرة النطاق، وربما إعادة بناء الثقة داخليًا عبر آليات رقابة ومساءلة مؤسسية أكثر وضوحًا.
السلطة الفلسطينية لا تعلن انسحابها من المشهد، لكنها تعترف بأن نموذج التشغيل القائم لم يعد قابلًا للاستمرار في ظل اختناق الموارد. القرار القادم لن يكون حول دوام الموظفين، بل حول من يضمن استمرارية مؤسسات الحكم في غياب اقتصاد فعّال وسيادة مالية. والسؤال الحقيقي: كم تبقّى من الوقت قبل أن يتجاوز العجز المالي حدود الإدارة إلى قلب الشرعية؟
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0