من يملك الماء .. يملك الاقتصاد
في الضفة الغربية، المياه ليست نادرة، لكن الوصول إليها نادر جدًا
في الضفة الغربية، الجفاف لا تسببه السماء، بل السياسات.
المياه ليست معدومة؛ ثلاثة أحواض جوفية كبرى تمر تحت التلال، لكن القوانين تجعل الوصول إليها مهمة شبه مستحيلة. فحفر بئر لا يتعلق بوجود الماء، بل بوجود تصريح عسكري. ومدّ خط ناقل يحتاج إلى عبور خارطة مليئة بالمناطق المحظورة. والنتيجة أنه من لا يملك الماء، لا يزرع. ومن لا يزرع، لا يبقى.
رغم ما تنص عليه الاتفاقيات المرحلية، لا يحصل الفلسطينيون فعليًا سوى على أقل من 15% من مواردهم المائية. المواطن العادي يُخصص له نحو 73 لترًا يوميًا ، أقل بكثير من الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية (100 لتر للفرد يوميًا). البنية التحتية المائية ليست فقط متقادمة، بل مُقيدة سياسيًا، فحفر بئر يتطلب إذنًا من الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي، ومدّ خط ناقل غالبًا ما يمر عبر مناطق مصنفة "ج"، حيث يُمنع على الفلسطينيين البناء أو التوسعة. وأكثر من ثلثي الأراضي القابلة للري تُترك بلا زراعة، رغم أن الزراعة تمثل أحد أعمدة الاقتصاد الريفي.
الآثار الاقتصادية ثقيلة، تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن خسائر الاقتصاد الفلسطيني جراء شح المياه تتجاوز 480 مليون دولار سنويًا. الإنتاج الزراعي يتقلص، المصانع الغذائية تتراجع، والفرص تتبخر. السلطة الفلسطينية، في المقابل، تدفع قرابة 96 مليون دولار سنويًا لشراء المياه من شركة "مكروت" الإسرائيلية، بينما تُهدر نحو 35% من الكميات في شبكات توزيع متآكلة، تعيق القيود الأمنية إصلاحها أو تطويرها.
لكن الخسارة الأكبر قد تكون في سوق العمل. الزراعة التي كانت توظف نحو 13% من القوى العاملة الفلسطينية، باتت بالكاد تستوعب 6% والاتجاه لا يزال نزوليًا. المزارعون، العاجزون عن ري أراضيهم، يتحولون إما إلى عمال يوميين داخل إسرائيل، أو يلتحقون بطوابير البطالة في المدن. القرى تفقد سكانها كما تفقد آبارها.
المشكلة ليست في نقص التمويل، ولا في غياب الحلول التقنية. بل في افتقار الفلسطينيين لسلطة اتخاذ القرار على مواردهم الطبيعية. مشاريع إعادة الاستخدام، أو بناء محطات معالجة، أو حتى صيانة خطوط قديمة، تُجمد أو تُرفض بناءً على ما تسمح به "الخرائط الأمنية". الأرض تُترك قسرًا، وتُعرض للبيع لاحقًا. الماء، في هذه الحالة، ليس مجرد مورد بيئي، بل أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا معًا.
نقص المياه مشكلة إقليمية بلا شك. لكن في الضفة الغربية، الجفاف لا علاقة له بالمناخ، بل بالسيادة. والسؤال في النهاية ليس كم تبقى من المطر، بل كم تبقى من القدرة على البقاء.
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0