إسرائيل إلى الجيل الخامس.. وفلسطين خارج التغطية
منذ عقود، شكّلت البنية التحتية للاتصالات في إسرائيل رمزًا لطموحها التقني، تتقدم به نحو المستقبل، فيما تبقى الأراضي الفلسطينية محاصرة بين أسلاك قديمة وتصاريح أمنية. إعلان وزارة الاتصالات الإسرائيلية مؤخرًا عن إغلاق شبكات الجيل الثاني والثالث بحلول يناير 2026 لم يكن مفاجئًا؛ لكنه سلّط الضوء من جديد على فجوة لا تتعلق بالتكنولوجيا فحسب، بل بالسيادة.
الخطوة، التي تهدف إلى تحرير الطيف الترددي لصالح شبكات الجيلين الرابع والخامس، تعكس اتجاهاً عالمياً نحو تقنيات أسرع وأكثر كفاءة، في إسرائيل، ستُستبدل الهواتف القديمة، وتُحدّث أجهزة الاستشعار، وتُنشّط تطبيقات المدن الذكية، أما في الضفة الغربية وغزة، فإن ذات الطيف لا يُستخدم لتسريع البيانات، بل لتعليقها.
في الضفة، بالكاد حصل الفلسطينيون على 3G عام 2018، بعد أكثر من عقد من المنع الإسرائيلي، وفي غزة، ما زالت شبكة 2G تحاول أن تُرسل رسائل نصية ببطء من خلال الحصار، الهواتف التي ستُعتبر "منتهية الصلاحية" في تل أبيب، ستبقى أدوات الاتصال الوحيدة في رام الله وغزة، لا لأن السوق يرفض الحداثة، بل لأن الاحتلال يملك المفاتيح.
الحجة الإسرائيلية القديمة تكررت: "أسباب أمنية". لكن مع دخول العالم عصر إنترنت الأشياء والمركبات ذاتية القيادة، تبدو هذه الحجة أشبه بباب دوّار: يدور الفلسطينيون حوله، لكن لا يخرجون منه.
إغلاق الشبكات القديمة لن يؤثر فقط على المستخدمين، أنظمة الري، وأجهزة المراقبة، وحتى بوابات الدخول الذكية في الأراضي الفلسطينية ، كثير منها يعتمد على تقنيات الجيل الثاني، ترقية هذه الأنظمة دون إذن إسرائيلي مستحيلة، حتى شراء جهاز "راوتر" قد يتطلب المرور عبر إدارة التنسيق والارتباط.
لكن الأهم من ذلك هو المعنى السياسي لهذا التحوّل التكنولوجي.. الطيف الترددي، رغم كونه ظاهرة فيزيائية، أصبح أداة سيطرة غير مرئية، ما يُمنح لإسرائيل من حق البث والتطوير، يُمنع عن الفلسطينيين. ومع كل قفزة تكنولوجية جديدة، تترسخ الفجوة، ويتحول الفرق بين 5G و2G من مسألة سرعة... إلى مسألة عدالة.
قد لا يبدو هذا خبراً جللاً في عناوين الأخبار الدولية.. لكنه بالنسبة للفلسطينيين، ليس مجرد "تحديث شبكات"، بل تذكير بأن الاحتلال لا يحتاج دوماً إلى جندي على الحاجز، أحياناً، يكفي زر إيقاف في وزارة الاتصالات.
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0