مال كثير.. مفارقة الودائع الفلسطينية

يوليو 29, 2025 - 04:21
 0  6
مال كثير.. مفارقة الودائع الفلسطينية

في اقتصاد محاصر، منهك، ومقطّع الأوصال، قد تبدو زيادة الودائع المصرفية علامة صحية للوهلة الأولى. لكن حين تبلغ هذه الودائع 20.4 مليار دولار كما تشير أحدث بيانات سلطة النقد الفلسطينية فإن السؤال الأهم ليس "كم؟" بل "لماذا؟" و"إلى أين؟".

الرقم بحد ذاته ملفت: نمو بنسبة 15% خلال عام، وارتفاع شهري بـ2.5% في أيار وحده. لكنه لا يعبّر عن انتعاش اقتصادي بقدر ما يكشف عن تحول البنوك إلى خزائن وطنية للقلق الجماعي.

 من أين يأتي هذا المال؟

أسباب هذه الطفرة النقدية لا تكمن في طفرة اقتصادية بل في طوارئ سياسية ونقدية:

  1. الخوف خزينة موثوقة
    في ظل الحرب المفتوحة على غزة والضغط الأمني في الضفة، لجأ الأفراد والمؤسسات إلى المصارف كمخزن آمن للسيولة، في وقت انهارت فيه الثقة بالتجارة، والمشاريع، بل وحتى بالعملات الورقية المتداولة.
  2. شيكل لا يجد طريقه للخروج
    نحو 60% من ودائع غزة بالشيكل، وقرابة 43% في الضفة. ومع امتناع البنوك الإسرائيلية عن استقبال هذه الكتلة النقدية، تجد المصارف نفسها محاصرة بأموال لا يمكن تحويلها أو تدويرها، في واحدة من أكثر أزمات "السيولة السجينة" تعقيدًا في العالم.
  3. التحويلات الخارجية والمساعدات
    مع تعاظم حجم التحويلات من الشتات والمؤسسات الإغاثية، تتكدس السيولة بالدولار والدينار أيضًا، دون أن تجد منافذ إنتاجية تُضخ فيها.

 ثلاث فرص... وثلاث ألغام

للبنوك: فرصة نمو مقيد

قد تبدو السيولة المرتفعة فرصة لتوسيع الإقراض، لكنها عمليًا عبء مكلف:

  • التكدس بالشيكل يعني كلفة خزن وتأمين دون عائد
  • غياب أدوات استثمار حكومية كالسندات يحد من الخيارات
  • حالة عدم اليقين تجعل البنوك أكثر حذرًا في الإقراض

للحكومة: ذهب لا يُستخرج

تخسر الحكومة فرصة ثمينة في تحويل هذه الودائع إلى أداة تمويل منظم، بسبب غياب قانون دين عام مفعّل أو سوق سندات محلية.

مشروع قانون الدين العام الجديد، إن أُقر، قد يغيّر قواعد اللعبة، ويسمح بإصدار سندات تمتص جزءًا من السيولة المجمدة، وتعيد ربط المواطن بالدولة كمستثمر لا كمتبرع.

للمواطن: أمان نقدي، لكن بلا فائدة

رغم أن الإيداع يحمي من فقدان الأموال، إلا أن غياب فرص استثمارية، وتراجع الفوائد الحقيقية (خاصة على ودائع التوفير)، يجعل هذه الودائع مجرد رقم في الحساب، لا وسيلة لبناء الثروة.

 ما العمل؟

في اقتصاد محروم من سيادته النقدية، تصبح كل سياسة مالية لعبة توازن دقيقة. المطلوب ليس فقط إدارة السيولة، بل تحويلها من ورقة ضغط إلى أداة تعافي. وهذا يتطلب:

  • تفاهمات مصرفية جديدة بشأن المقاصة مع إسرائيل
  • تسريع اعتماد السندات المحلية كأداة تمويل واستثمار
  • إطلاق برامج ضمان إقراض محفزة وآمنة
  • تعزيز البنية التحتية للدفع الإلكتروني والتمويل الرقمي

البنوك الفلسطينية تفيض نقدًا، لكن لا أحد يشتري، والحكومة تبحث عن مال، والمواطن يبحث عن أمان، والسوق يبحث عن ثقة، والودائع ترتفع، لكن السؤال الأهم: متى يبدأ المال في الحركة؟

 

ما هي ردة فعلك؟

اعجبني اعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0