حين تفشل السيادة السياسية… تبدأ السيادة الرقمية

يوليو 2, 2025 - 22:11
يوليو 2, 2025 - 22:25
 0  3
حين تفشل السيادة السياسية… تبدأ السيادة الرقمية

من كيغالي إلى رام الله: دروس غير متوقعة في بناء الدولة من شبكة الإنترنت

في عالمٍ تتقلّص فيه حدود الدولة التقليدية، وتتعثر فيه المساعي السيادية بفعل الاحتلال والانقسام، تبرز الرقمنة كأداة مثيرة للجدل… لكنها واعدة.

فلسطين، الواقعة بين جمود سياسي مرير وتضخم بيروقراطي مزمن، لا تبدو مرشحة مثالية لنقلة رقمية.

ومع ذلك، فإن الحالة الرواندية "  نقيضٌ جغرافي وتاريخي " تقدّم درسًا مُحرجًا، وربما… مُلهمًا.

رواندا، الدولة التي طُبعت ذاكرتنا عنها بمجازر 1994، نجحت في أن تتحوّل خلال عقدين إلى واحدة من أكثر الدول رقمية في إفريقيا، لم يكن ذلك نتاج معجزة، بل سياسة مركّزة.

في كيغالي، بات المواطن يحصّل وثائقه، يسجّل شركته، بل ويقدّم شكوى ضد الحكومة عبر منصة واحدة

التعليم هناك رقمي، الصحة رقمية، والأهم: الدولة اكتسبت ثقة من خلال سلاسة الأداء، لا عبر الشعارات.

كل ذلك تم دون نفط، ولا قوى ناعمة عالمية… فقط عبر فهم بسيط: أن الرقمنة ليست تحديثًا تقنيًا، بل فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

أما في رام الله وغزة، فإن الواقع أكثر فوضوية.

من جهة، شباب متّقد في مهاراته التقنية: مستقلون، مبرمجون، مطوّرو حلول في بيئة لا تحترم الابتكار.

ومن جهة أخرى، هياكل إدارية تشبه أرشيف منتصف القرن الماضي، لا تزال تُدار بالورق، في عصر يكتب فيه الأطفال بحبر رقمي على ألواح لم تُوفّرها أي وزارة.

المفارقة تكمن هنا: لدى فلسطين رأس مال بشري رقمي أفضل من رواندا، لكن الإرادة مشتتة، والرؤية مغيّبة.

والدولة غارقة في أسئلة أكبر من مجرّد "تحوّل رقمي".

لكن لعلّ ذلك هو بيت القصيد، ففي ظل غياب السيادة السياسية، تظهر السيادة الرقمية كأداة لبناء استقلال وظيفي.

الرقمنة هنا لا تعني "الحكومة الإلكترونية" فقط، بل القدرة على تقديم خدمات دون العودة إلى بيروقراطيات هشّة أو سلطات مركزية متنازعة.

أن تبدأ بلدية في الخليل أو جنين بتقديم خدمات إلكترونية ليس أمرًا بسيطًا، بل تمرينًا في بناء الثقة المحلية.

أن تُنشئ جامعة في نابلس مقررات رقمية مفتوحة هو تحدٍّ للقيود لا يُقلّ عن مظاهرة سياسية.

التحوّل الرقمي، بهذا المعنى، ليس رفاهية، بل نوع من المقاومة الذكية، بأدوات غير صاخبة.

هل يستطيع الفلسطينيون تكرار تجربة رواندا؟ بالطبع لا.

لكن يمكنهم أن يبدؤوا شيئًا آخر: نموذجًا رقميًا محليًا لا يحتاج إذنًا من أحد.

ففي النهاية، الدول الحديثة لا تُبنى فقط على الخرائط… بل على الخوادم.

ما هي ردة فعلك؟

اعجبني اعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0