الاقتصاد التعاوني: فرصة فلسطين المؤجلة
في اقتصادٍ خاضع للاحتلال، تبدو معظم الخيارات وكأنها تمر عبر تل أبيب، أو تتعثر في انتظار تمويل خارجي لا يأتي إلا بشروطه. وسط هذا المشهد المُقيَّد، تعود التعاونيات إلى الطاولة...لا كمجرد مبادرات أهلية، بل كنموذج محتمل لفك بعض قيود التبعية الاقتصادية، ولبناء ما يشبه الاكتفاء، أو على الأقل الصمود.
لكن، وبعد قرن على ظهورها في فلسطين، تبقى التعاونيات على الهامش. لماذا؟ وهل لا تزال تحمل ما يكفي من الزخم لتلعب دورًا اقتصاديًا فعليًا، لا مجرد شعار؟
بطالة تطحن، وأمل يتآكل
البطالة ليست رقمًا هنا، بل حقيقة يومية. في غزة، تلامس بطالة الشباب 95%، وفي الضفة، حتى خريجو الجامعات يقفون في طوابير انتظار العمل، فيما نصفهم تقريبًا بلا وظيفة.
الاقتصاد لا ينكمش فقط، بل يَسحب تحته شرائح كاملة من المجتمع. في هذا السياق، تبدو التعاونيات فرصة لتوفير عمل جماعي، برأسمال متواضع، خارج منطق "انتظر المستثمر الخارجي".
لكن التجربة تثبت أن التعاونيات ليست مجرد مؤسسات... بل منظومات قيم. فمن دون الأفراد المؤمنين بالفكرة، المدرّبين على إدارتها، والعاملين من منطلق جماعي، تصبح أي تعاونية مجرّد اسم بلا روح.
من القرية إلى المائدة: الزراعة التعاونية
غالبًا ما تُربط التعاونيات بالزراعة. وهذا ليس ضعفًا، بل فرصة. في بلد يُمنع فيه الناس من الوصول إلى أكثر من 70% من أرضهم الزراعية، تصبح التعاونيات الزراعية واحدة من آخر خطوط الدفاع: إنتاج غذاء، وتعزيز السيادة، وإنشاء شبكات توزيع بديلة عن السوق الإسرائيلي.
لكن التحديات لا تتوقف عند الأرض. الكثير من التعاونيات أُسست بشكل شكلي، دون قاعدة تدريبية، أو وعي قانوني، أو فهم عميق لمفهوم العمل التعاوني. أُسست لتلبية شروط تمويل، لا لسدّ حاجة مجتمعية حقيقية.
بيروقراطية تُعيد ترتيب الأوراق... أم تطويها؟
عندما حُلّت "هيئة العمل التعاوني" وأُدمجت في وزارة العمل، لم يُطرح نقاش جادّ حول أثر هذه الخطوة. بين من رآها إعادة هيكلة ضرورية، ومن اعتبرها تهميشًا ناعمًا، يبقى الواضح: لا توجد سياسة عامة تشجّع على العمل التعاوني.
لا في التعليم، ولا في الإعلام، ولا في قوانين التمويل والحوكمة. وكأن التعاونيات ما زالت تُعامل كملف اجتماعي ثانوي، لا كأداة لبناء اقتصاد محلي مستدام.
على النقيض، نرى دولاً مجاورة تعمل على مأسسة التجربة التعاونية: قانون واضح، معاهد تدريب، تمكين حقيقي للنساء والشباب، وربط التعاونيات بمشاريع تنمية محلية.
2025 لحظة اختبار حقيقية
الأمم المتحدة أعلنت 2025 عامًا دوليًا للتعاونيات. قد يبدو ذلك حدثًا رمزيًا، لكنه يشكّل فرصة ثمينة لإعادة التفكير في موقع التعاونيات ضمن الاقتصاد الفلسطيني. ولكن هذه المرة، يجب أن يبدأ التفكير من الجذور.
"أعدّوا التعاونيين قبل التعاونيات."
عبارة بسيطة، لكنها تختصر فلسفة كاملة. لا معنى لأي تعاونية دون إنسان يؤمن بها، ويمارسها كقيمة، لا كوظيفة.
خلاصة صريحة: هل لدينا تعاونيات... أم فقط أوراق؟
رغم مئات التعاونيات المسجّلة في فلسطين، لا تتجاوز مساهمتها 1% من الناتج المحلي. عالميًا؟ النسبة تصل إلى نحو 12%.
الفرق لا يُفسَّر فقط بنقص التمويل، بل بانعدام الرؤية، وانقطاع التدريب، وغياب ثقافة تعاونية حقيقية.
إن أردنا لتعاونياتنا أن تصمد وتكبر، هناك خطوات لا بد منها:
- تدريب الأعضاء على الإدارة المالية، والتسويق، والحوكمة.
- نشر الفكر التعاوني في المدارس والجامعات.
- تمكين النساء والشباب من اتخاذ القرار، لا فقط الحضور الشكلي.
- تأسيس معاهد تدريب، وإنتاج مناهج وطنية للثقافة التعاونية.
- تقوية التشبيك بين التعاونيات، وربطها فعليًا باحتياجات المجتمع لا بجدول المانح.
في زمن الأزمات والانقسام، لا تكفي النوايا...التعاونية، في جوهرها، فعل جماعي وفعل مقاومة.
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0