لعبة الديون الحكومية : من يدفع الثمن .. ومن يجني الفوائد؟
حين تتحوّل ودائع المواطنين إلى شريان حياة للحكومة، يصبح البنك مكانًا أقل أمانًا مما يبدو. ليس لأن النظام المصرفي على وشك الانهيار، بل لأن الدولة نفسها أصبحت الزبون الأكثر إلحاحًا، وربما الأقل قدرة على السداد. إصدار سندات إلزامية وفرضها على المؤسسات المالية ليس مجرّد أداة تمويل طارئة، بل مؤشر على تحوّل في فلسفة الاقتراض: من الاقتراض "للتنمية" إلى الاقتراض "للبقاء".
في الاقتصادات المستقرة، تُدار الديون بأدوات مالية متقدّمة، وتُقاس آثارها بالسنوات. أما في الحالة الفلسطينية، فالديون تُدار تحت ضغط يومي، وتُفرض آثارها على المواطن .
الحكومة الفلسطينية، العالقة في دوامة العجز والسيولة، تبحث عن حلول قصيرة الأجل عبر أدوات طويلة الأثر، فحين تتحوّل الديون إلى سياسة دائمة، لا يبقى السؤال فقط: "كم نقترض؟"، بل "لمن ندين؟ ومن سيدفع؟"
تشريع الضرورة... أم ضرورة بلا تشريع؟
تعمل الحكومة الفلسطينية حاليًا على تعديل قانون الدين العام، بما يسمح لها بإصدار سندات خزينة إلزامية تُفرض على المؤسسات المالية المحلية.
التعديل في ظاهره، إجراء "تنظيمي"، لكنه في جوهره يعكس توترًا متصاعدًا بين إدارة أزمة مالية مزمنة، ومحاولة ترحيل آثارها إلى الداخل — بالتشريع لا بالإصلاح.
الخطوة تفتقر إلى مسار رقابي سليم، وتُنفّذ في ظل غياب البرلمان، وشلل الرقابة المستقلة، وتآكل ثقة الجمهور، فالمؤسسات تُطالَب بالشراء دون مفاوضة، والبنوك تُستدعى لتغطية العجز، فيما المواطن يُستبعَد من المعادلة، إلا بصفته دافعًا غير معلن للثمن.
حين يغيب القانون… يُفعّل على مقاس الحاجة
ليست هذه المرة الأولى التي يُستخدم فيها المال العام لتمويل الدولة دون علم الرأي العام. في سابقة غير موثّقة رسميًا، أقرض "صندوق تعويض ضحايا حوادث الطرق" الحكومة الفلسطينية نحو 300 مليون شيكل، أي ما يعادل 60% من رأسماله بلا سجلات منشورة، لا نقاش علني، ولا توضيح حول كيفية اعتبار الخطوة استثمارًا آمنًا في اقتصاد يخسر أصوله قبل أن يجني عوائده.
الأرقام تتحدث... ولكن عن ماذا؟
بحسب الأرقام الحكومية، الدين العام يبلغ حوالي 85% من الناتج المحلي. إلا أن التقديرات المستقلة التي تأخذ بالحسبان المتأخرات والالتزامات غير المدرجة ، ترفع النسبة إلى ما يفوق 130% فالرقم الحقيقي يُلامس 50 مليار شيكل، ويكلف الخزينة نحو نصف مليار سنويًا في خدمة الدين، مع إمكانية تضاعف الرقم إذا مضى التعديل في طريقه.
المشكلة ليست في الرقم فحسب، بل في وجهته، فمعظم هذه الديون لا تذهب لبنية تحتية، ولا لتحفيز الإنتاج، بل لتغطية الإنفاق الجاري، وهو ما يشبه وضع مريض يموّل علاجه من قروض يومية دون أن يغيّر نمط حياته أو يسعى للشفاء.
المقارنة مغرية… وخادعة
تُحبّذ بعض التصريحات الرسمية المقارنة بدول مجاورة مثل الأردن أو لبنان، حيث نسب الدين مرتفعة هناك لكن المقارنة تسقط عند أول اختبار.
تلك الدول، رغم مشكلاتها، تتحكم في سياستها النقدية، ولديها عملات وطنية، وأسواق يمكنها المناورة فيها، أما فلسطين لا تملك عملتها، ولا حدودها، ولا مواردها الطبيعية، هي تُدير موازنتها في فراغ سياسي وسيادي، حيث الاحتلال يُمسك بأدق مفاصل الاقتصاد، من الجمارك إلى الكهرباء وتصاريح العمل.
الدين كعرض… لا كأداة
الحكومة الفلسطينية لم تُجب بعد عن السؤال الجوهري: ما الخطة؟ فقد استُهلكت كل خطوط التمويل الممكنة ، من المساعدات إلى القروض، إلى استنزاف الصناديق الداخلية.
واليوم يُفتح باب جديد تحت عنوان "الإصلاح"، لكنه في الواقع ترجمة متأخرة لأزمة غابت عنها الاستراتيجية، فالديون حين تُستخدم بلا إنتاج، تتحوّل من أداة إلى عِبء، والى تراكم الديون في غياب أفق سياسي واقتصادي لا يخلق نموًا، بل يؤجل الانهيار.
في غياب السيادة... هل بقي شيء من السياسة المالية؟
ما يُقوّض فعالية أي إصلاح مالي في الحالة الفلسطينية غياب الإطار السيادي الذي يمنح هذه الإجراءات معناها، فطالما بقي الاحتلال يتحكم بالموارد والمعابر والنظام النقدي، ستبقى أدوات المالية العامة مجرد محاولات إدارة أزمة لا حلّها، وإذا كانت الحكومة عاجزة عن استحداث إيرادات إنتاجية، أو حماية الأصول الوطنية، فلن يُجدي كثيرًا أن تُجبر البنوك على شراء السندات، أو أن تُقنع المواطن بأن الاقتراض "ضرورة وطنية".
الدين ليس المشكلة، بل غياب القدرة على إدارته هي العقدة، والحل لا يكمن في تشريعات تُفرض من فوق، بل في شفافية تُبنى من الأساس فالدولة لا تُقاس بما تقترض، بل بما تستطيع أن تُنتج، وأن تُقنع شعبها بأنه يستثمر لا يُستهلك.
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0