هل تنفجر قنبلة الشيكل الصامتة؟
تخيل أن المال بين يديك، لكنه لا ينفع، تخيل أن المصارف مليئة بالنقد، لكنها عاجزة عن استخدامه، هذا بالضبط ما يحدث في فلسطين اليوم، ما نسميه تكدس الشيكل ليس فائضًا من السيولة، بل أزمة نقدية صامتة تتضخم يومًا بعد يوم وتهدد قدرة الاقتصاد الفلسطيني على التنفس، فالمصارف اليوم تحتجز كميات هائلة من العملة الإسرائيلية دون أن تتمكن من تحويلها إلى البنوك الإسرائيلية كما جرت العادة.
كل شيكل لا نستطيع شحنه إلى الخارج يعني خدمة أساسية قد تتعطل، وصفقة تجارية قد تتجمد، ودورة اقتصادية تتآكل بهدوء.
لماذا الشيكل مهم إلى هذه الدرجة؟
منذ توقيع اتفاقية باريس، أصبح الشيكل عملة التداول الرئيسية في فلسطين، نستخدمه في شراء الخبز ودفع فاتورة الكهرباء وتحريك عجلة التجارة، لكن الفرق أننا نستخدم عملة لا نصدرها ولا نتحكم بها ولا نملك قرار طباعتها أو سحبها من السوق، فنحن نعيش في اقتصاد يعمل بعملة دولة أخرى، وما لم يُسمح لنا بتحريك هذه العملة عبر النظام المصرفي، فإننا سنصبح كالراكب في سيارة بلا مقود.
كيف بدأ التكدس؟
ليست هذه الأزمة وليدة يوم أو أسبوع، بل هي نتيجة تراكمات تتعلق بقرار من الجانب الإسرائيلي يفرض قيودًا على حجم الأموال التي يمكن للبنوك الفلسطينية تحويلها بالشيكل إلى البنوك الإسرائيلية.
في المقابل، يتدفق الشيكل بكميات هائلة إلى السوق الفلسطيني يوميًا، العمال والموظفين الذين يتقاضون أجورهم نقدًا، المشترون يدفعون نقدًا، والأغلبية الساحقة من المعاملات الحكومية والخدمات تدفع كلها نقدا بالشيكل، وهكذا، يتكدس المال في الخزائن، لكنه لا يعمل ، نعم، المال موجود لكنه مشلول
ما المشكلة إذا كانت الأموال متوفرة؟
المشكلة أن المال في الاقتصاد ليس مجرد أوراق، بل وسيلة لنقل القيمة وتدوير الإنتاج، وإذا أصبح هذا المال محاصرًا داخل حدود لا يمكن كسرها، فإنه يتحول من أداة تحرك الاقتصاد إلى عبء يخنقه.
كل شيكل مكدس في المصارف دون استخدام يعرّض تلك المصارف لمخاطر مالية وأمنية، كل تأخير في تغذية الحسابات المراسلة في إسرائيل يعني خطرًا على استيراد الوقود والدواء والغذاء، وكل استمرار في الاعتماد على النقد يفتح الباب أمام السوق السوداء والتهرب الضريبي وتآكل الثقة بالقطاع المصرفي.
ماذا تفعل سلطة النقد؟ وهل يكفي؟
سلطة النقد تحاول منع الانفجار، أصدرت تعليمات جديدة لتسهيل الإيداعات الصغيرة، وتحديد أولويات التحويل للسلع الأساسية، وحثت البنوك على دعم الدفع الإلكتروني، لكن هذا وحده لا يكفي؟
نحن أمام حالة طوارئ نقدية تتطلب تغييرًا جذريًا في ثقافتنا المالية، ما لم نغيّر طريقة تعاملنا مع المال، فإن الأزمة ستعود بشكل أقوى في كل مرة.
ما دور المواطن؟ هل هناك ما يمكن فعله فعلًا؟
نعم، أنت لست متفرجًا في هذه الأزمة، كل مرة تدفع فيها نقدًا بدل البطاقة، فأنت تضع لبنة جديدة في جبل التكدس، كل معاملة تجارية نقدية تعني المزيد من الضغط على البنوك، والمزيد من تعطيل الاقتصاد.
باستخدامك للدفع الإلكتروني، أنت تسهّل على البنوك إدارة السيولة، بتشجيعك على الشيكات والتحويلات، أنت تُخرج الاقتصاد من عنق الزجاجة، وبقرارك الشخصي بالانتقال من "كاش" إلى "رقمي"، أنت تحمي نفسك من مستقبل نقدي مجهول.
هل من تجارب يجب أن نتعلّم منها؟
انظر إلى كينيا التي حولت هواتف الناس إلى بنوك متنقلة، ونجحت في تقليل الاعتماد على النقد بنسبة كبيرة، وانظر في الجهة الأخرى إلى دول مثل لبنان، حيث تسبب انهيار النظام المصرفي في تآكل ودائع الناس وانتشار السوق السوداء، فلسطين تقف اليوم بين هذين النموذجين، إما أن نتحول إلى اقتصاد رقمي أكثر مرونة، أو نستمر في السير نحو جدار مسدود.
حلول واقعية قبل أن تنفجر الأزمة
لا توجد حلول سحرية، لكن هناك خطوات واقعية وعملية تستطيع المؤسسات والمواطنون تبنيها الآن وقبل أن تصل الأزمة إلى نقطة اللاعودة .
على المستوى الحكومي، المطلوب هو أن تعمل وزارة المالية وسلطة النقد على تسريع التحول الرقمي الكامل في المدفوعات العامة مثل رسوم الجامعات والمدارس والبلديات والمخالفات
كما يجب تقديم حوافز ضريبية للمحال التجارية التي تعتمد نقاط الدفع الإلكتروني، وإطلاق برنامج وطني للتحول إلى اقتصاد أقل اعتمادًا على النقد بمشاركة البنوك والبلديات وشركات التكنولوجيا
على المستوى الشعبي، الحل يبدأ من الوعي، كل مواطن قادر على إحداث فرق حين يقرر ألا يدفع نقدًا، كل تاجر قادر على المساهمة حين يوفّر ماكينة دفع إلكتروني، كل شاب أو شابة يستطيعون استخدام التطبيقات المالية بدل حمل النقود الورقية .
قد تبدو هذه خطوات بسيطة لكنها كفيلة بكسر حلقة التكدس وتحريك عجلة الاقتصاد إلى الأمام، فالأزمة ليست في الشيكل ذاته، بل في قدرتنا على إدارته بذكاء، فهل ننجح في تحويل المال من عبء مكدّس إلى أداة تنهض بالاقتصاد؟
ما هي ردة فعلك؟
اعجبني
0
لم يعجبني
0