قرارات حكومية: تأجيل الانهيار؟ أم إدارة ذكية لعجز مزمن؟

يوليو 23, 2025 - 04:04
 0  5
قرارات حكومية: تأجيل الانهيار؟ أم إدارة ذكية لعجز مزمن؟

تراهن الحكومة الفلسطينية، مرة أخرى، على أدوات داخلية لإدارة أزمة خارجية الطابع، بنيوية الجذور. ففي جلستها الأخيرة، استعرضت رزمة إجراءات تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية عن الموظفين العموميين، واستعادة شيء من التوازن المالي، ولو بالحد الأدنى.

الإفراج المرتقب عن أموال المقاصة المحتجزة — والتي تجاوزت 3.8 مليار شيكل حتى يونيو 2025 — يظل بمثابة "أكسجين سياسي"، لا تملك الحكومة توقيت تدفقه. وحتى تحين اللحظة، تدور عجلة الإدارة على ثلاثة محاور رئيسية:

تقليص النفقات عبر ضبط التحويلات الطبية الخارجية ، التي بلغت 1.3 مليار شيكل في 2024 ،  وتشديد الرقابة على دوام الموظفين العموميين.

تحسين الإيرادات من خلال تسوية متأخرات مع شركات الكهرباء، وزيادة إجراءات مكافحة التهرب الضريبي، الذي تقدّره وزارة المالية بأكثر من 1.6 مليار شيكل سنويًا، أي ما يعادل 27% من الجباية المحتملة.

البحث عن تمويل بديل عبر إصدار سندات سيادية داخلية، في محاولة لتوسيع قاعدة الاقتراض المحلي.

ورغم ما تحمله هذه الإجراءات من واقعية اقتصادية وحسّ إداري، إلا أن هشاشتها تكمن في كونها "آليات إسعاف مالي" تفتقر إلى ضمانات الاستدامة. فإصدار السندات المحلية قد يجذب البنوك الباحثة عن عوائد، لكنه يراكم ديونًا مستقبلية، في ظل غياب خطة واضحة للسداد، خاصة وأن الدين العام الفلسطيني تجاوز 11.2 مليار شيكل بحلول منتصف 2025، منها 8.3 مليار شيكل ديون داخلية مستحقة للبنوك وصناديق تقاعد.

أما ضبط النفقات، فحدوده ضيقة، في قطاع عام يئن تحت التقشف منذ سنوات، حيث لم يتقاضَ الموظفون العموميون — وعددهم قرابة 134 ألف موظف ، رواتبهم كاملة لأكثر من ثلاثة أعوام متتالية، وتجاوزت المتأخرات 2.9 مليار شيكل حتى يونيو 2025، فيما يستمر صرف ما بين 60% و70% من الرواتب الأساسية فقط.

والمفارقة أن الحكومة تسعى للإصلاح الإداري، في وقت يُدار فيه الاقتصاد الفلسطيني نفسه بأدوات غير سيادية: من التحكم بالحدود، إلى السيطرة على عوائد الضرائب، ومن حركة التجارة، إلى حركة الأموال.

لكن تجنّب الانهيار لا يتحقق بالمسكّنات فقط. ما تحتاجه الحكومة ليس المزيد من "الإدارة في ظل العجز"، بل انتقالًا حقيقيًا نحو استراتيجيات إنتاجية: إصلاح شامل لمنظومة الجباية، بناء شراكات اقتصادية محلية تقلل الاعتماد على المانحين ، خاصة أن المساعدات الخارجية لم تتجاوز 700 مليون شيكل في النصف الأول من 2025، بتراجع نسبته 45% مقارنة بعام 2022 ، وإعادة هيكلة الإنفاق العام باتجاه دعم القطاعات الإنتاجية.

فالزراعة والصناعة لا تزالان تساهمان معًا بأقل من 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم قدرتهما على توليد فرص عمل واستقلال نسبي، في حين تواصل البطالة تسجيل معدلات مقلقة: 46.8% في غزة و13.2% في الضفة الغربية مطلع 2025.

كما أن تفعيل أدوات رقابة مالية مستقلة بات ضرورة لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات العامة، ومواجهة الفساد الإداري والمالي المزمن.

الإصلاح لا يُقاس بعدد الإجراءات، بل بقدرتها على خلق قواعد جديدة للّعبة الاقتصادية الفلسطينية ، خارج هامش الاحتلال، لا داخله.

 

ما هي ردة فعلك؟

اعجبني اعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0